محمد بن جرير الطبري

377

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

كأنها خُضِبت بالدماء ، فصاحوا وضجُّوا وبكوا وعرفوا آية العذاب ، فلما أمسوا صاحُوا بأجمعهم : " ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب " ! فلما أصبحوا اليوم الثالث ، فإذا وجوههم مسودّة كأنها طُليت بالقار ، فصاحوا جميعا : " ألا قد حضركم العذاب " ! فتكفَّنُوا وتحنَّطوا ، وكان حنوطهم الصَّبر والمقر ، ( 1 ) وكانت أكفانهم الأنطاع ، ( 2 ) ثم ألقوا أنفسهم إلى الأرض ، ( 3 ) فجعلوا يقلبون أبصارهم ، فينظرون إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة ، فلا يدرون من حيث يأتيهم العذاب من فوقهم من السماء أو من تحت أرجلهم من الأرض ، جَشَعًا وفَرَقًا . ( 4 ) فلما أصبحوا اليومَ الرابع أتتهم صيحةٌ من السماء فيها صوتُ كل صاعقة ، وصوت كلّ شيء له صوتٌ في الأرض ، فتقطعت قلوبهم في صدُورهم ، فأصبحوا في دارهم جاثمين . ( 5 )

--> ( 1 ) " المقر " ( بفتح فكسر ) ، شبيه بالصبر وقيل هو الصبر نفسه ، وهو شجر مر . وكان في المطبوعة : " المغر " بالغين ، وهو خطأ . ( 2 ) انظر تفسير " الأنطاع " فيما سلف ص : 373 تعليق : 1 . ( 3 ) في المطبوعة والمخطوطة : " بالأرض " ، وأثبت ما في التاريخ . ( 4 ) في المطبوعة : " خسفًا وغرقًا " ، غير ما في المخطوطة وفيها " حسما وفرقا " ، الأولى غير منقوطة . وفي التاريخ : " " خشعا وفرقا " ، وضبط " خشعا " بضم الخاء ، وتشديد الشين ، كأنه جمع " خاشع " ، وضبط " فرقا " بضم الفاء والراء ، وهو فاسد من وجوه . والذي أثبته هو الصواب . و " الجشع " ( بفتحتين ) ، الجزع لفراق الإلف ، والحرص على الحياة . وفي حديث معاذ : " فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم " . وفي حديث ابن الخصاصية : " أخاف إذا حضر قتال جشعت نفسي فكرهت الموت " . و " الفرق " ، أشد الفزع . ( 5 ) الأثر : 18290 - " حجاج " ، هو " حجاج بن محمد المصيصي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا كثيرة . " أبو بكر بن عبد الله " ، لم أعرف من يكون ، فإن يكن هو : " أبا بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة القرشي " ، فهو منكر الحديث ، يروي الموضوعات عن الثقات ، ومضى برقم : 14044 ، ذكره حجاج بن محمد ، فقال : " قال لي أبو بكر السبري : عندي سبعون ألف حديث في الحلال والحرام " فقال أحمد : " ليس بشيء ، كان يضع الحديث " ، بل هو أيضًا لم يدرك " شهر بن حوشب " ، فإنه مات سنة 162 ، وله ستون سنة ، وشهر بن حوشب ، مات سنة 100 ، أو بعدها بقليل . وإن يكن " أبا بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني " ، كما ذكر الذهبي في تعليقه عن المستدرك ، فهو أيضًا متروك الحديث ، مضى برقم : 9071 ، ولا أعلم أدرك شهرًا ، أم لا ، فإنه مات سنة 156 . وفي تاريخ الطبري المطبوع " " أبو بكر بن عبد الرحمن " ، وفي بعض نسخه المخطوطة " أبو بكر بن عبد الله " ، مطابقًا لما في التفسير . " وعمرو بن خارجة بن المنتفق الأشعري " ، صحابي ، ذكر العسكري أن شهر بن حوشب ، لا يصح سماعه عنه ، وإنما يروي عنه من طريق " عبد الرحمن بن غنم الأشعري " . وهذا الخبر رواه أبو جعفر الطبري في تاريخه 1 : 116 - 118 . ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 566 ، 567 ، وقال : " هذا حديث جامع لذكر هلاك آل ثمود ، تفرد به شهر بن حوشب ، وليس له إسناد غير هذا ، ولم يستغن عن إخراجه . وله شاهد على سبيل الاختصار بإسناد صحيح ، دل على صحة الحديث الطويل ، على شرط مسلم " . وقال الذهبي في تعليقه عليه : " أبو بكر ، واه ، وهو ابن أبي مريم " . فهذا حديث ضعيف ، لضعف " أبي بكر بن عبد الله ، أيا كان ، وللشك في رواية شهر عن عمرو بن خارجة ، فهو منقطع .